عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

96

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

كانت أربعين ألف سنة يعني كل يوم منها كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [ الحجّ : 47 ] فكما قررنا دارت مراتب التسوية فمن بدء النظرات إلى الجوهرة في أطوارها المختلفة إلى أن بلغت بتدبير الصانع الحكيم إلى أفق الجماد ، ثم ارتقى في قبول أثر النفس إلى رتبة أثر النباتية ، ثم إلى أفق الحيوانية ، ثم إلى أفق الملكية ثم إلى أفق الإنسانية بعد تمام التسوية ، وذلك بأن يجعله قابلا للفيض الإلهي بلا واسطة عند تعلق الروح بالقالب تعلقا تاما بالنفخة الخاصة ، وإنما قلنا تاما لأن تعلق روح ذريات آدم يكون بالتدريج على قدر تسوية قالبهم من حين وقوع النطفة في الرحم إلى أن تصير جنينا إلى أن تبلغ حد البلاغة ، وكان تعلق روح آدم - عليه السلام - بقالبه بعد كمال التسوية بمرة واحدة ، كما قال تعالى : فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ الحجر : 29 ] فصار قابلا للفيض الإلهي بأن يتجلى فيه كما قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « إن اللّه تعالى خلق آدم فتجلى فيه » « 1 » ولهذا بلغ رتبة المسجودية التي من صفات الربوبية بقوله : فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ [ الحجر : 29 ] وقد نال هذه الرتبة بسر الخلافة وهذا كمال مقام الإنسان الذي خلقه للمعرفة وخلق ما سواه بتبعيته كما خلقت الشجرة بتبعية الثمرة ، وإن أمعنت النظر وجدت الشجرة بأسرها الثمرة لأنها كانت في الثمرة معبأة بالقوة فخرجت بالتربية إلى الفعل ، فكذلك شجرة الموجودات كانت معبأة بالقوة في ثمرتها وهي الروح الإنساني فخرجت بالتربية إلى الفعل ، فإن أمعنت النظر لوجدت الإنسان عالما كبيرا ، ووجدت العالم إنسانا كبيرا ، كما قلت هذا المعنى في رباعية بالأعجمية : أي نسخة تامة إلهي ركه تويني * وأي آينه جمال شاهي ركه تويني بيرون زنو نيست مرجه در عالم مست * در خود بطلب هوايح خوايح خواهي ركه تويني فإن قيل : إذا بلغ كل إنسان حد بلاغته هل يستحق أن يتجلى اللّه فيه كما تجلى في آدم - عليه السلام - أم لا ؟ قلنا : الجواب عنه من وجهين : أحدهما : أن من سنة اللّه تعالى أنه جعل حد بلاغ الرجال البالغين المستحقين لتجلى صفات ربوبيته أربعين سنة كما قال تعالى : حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً [ الأحقاف : 15 ] وفي هذا السن تتم التسوية للقالب ويتعلق به الروح بالكمال ، فإن لم تكن مرآة قلبه مصدأة برين الشرك والمعاصي ومكدرة بظلمة صفات بشريته وخواص أوصاف طبيعته بل تكون مصقولة بمصقل لا إله إلا اللّه مصفاة عن دنس تعلقات الكونين فيستحق لتجلي ذات اللّه وصفاته فضلا منه ورحمة ،

--> ( 1 ) هذا الأثر لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع .